محمد بن جرير الطبري

288

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قال أبو جعفر : فإذ كان ما ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحًا = وكانت الآية إذا اختُلف في حكمها منسوخ هو أم غير منسوخ ، ( 1 ) غير جائز القضاء عليه بأنه منسوخ - مع اختلاف المختلفين فيه ، ولوجُوب حكمها وَنفي النسخ عنه وجه صحيحٌ - ( 2 ) إلا بحجة يجب التسليم لها ، لما قد بينَّا في غير موضع من كتبنا الدلالةَ على صحةِ القول بذلك ( 3 ) = ( 4 ) فالواجب أن يكون الصحيح من القول في تأويل قوله : " والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم " ، هو ما ذكرنا من التأويل ، وهو أن قوله : " عقدت أيمانكم " من الحلف ، وقوله : " فآتوهم نصيبهم " من النصرة والمعونة والنصيحة والرأي ، على ما أمرَ به من ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأخبار التي ذكرناها عنه = ( 5 ) دون قول من قال : " معنى قوله : فآتوهم نصيبهم ، من الميراث " ، وان ذلك كان حكما ثم نُسخ بقوله : " وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " ، ودونَ ما سِوَى القول الذي قلناه في تأويل ذلك . ( 6 ) وإذْ صَحّ ما قلنا في ذلك ، وجب أن تكون الآية محكمة لا منسوخةً . ( 7 ) * * *

--> ( 1 ) في المخطوطة والمطبوعة : " منسوخ هي " ، خطأ ، صوابه ما أثبت . ( 2 ) سياق العبارة : " غير جائز القضاء عليه بأنه منسوخ . . . إلا بحجة يجب التسليم لها " ، والذي بينهما قيد اعترض به بين طرفي الكلام . ( 3 ) انظر مقالته في : " الناسخ والمنسوخ " فيما سلف : 131 ، والتعليق 1 ، والمراجع هناك . ( 4 ) قوله : " فالواجب . . . " ، جواب قوله آنفًا : " فإذ كان ما ذكرنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحيحًصا " . ( 5 ) السياق : " فالواجب أن يكون الصحيح من القول . . . هو ما ذكرنا من التأويل . . . دون قول من قال " . ( 6 ) في المطبوعة والمخطوطة : " دون ما سوى القول " بلا واو عاطفة ، والصواب إثبات " واو العطف " ، عطفًا على قوله آنفًا : " دون قول من قال " . ( 7 ) أشكل على ابن كثير هذا الموضع من كلام الطبري فرواه عنه ثم قال : " وفيه نظر ، فإن من الحلف ما كان على المناصرة والمعاونة ، ومنه ما كان على الإرث ، كما حكاه غير واحد من السلف وكما قال ابن عباس : كان المهاجري يرث الأنصاري دون قراباته وذوي رحمه ، حتى نسخ ذلك . فكيف يقول : إن هذه الآية محكمة غير منسوخة ، والله أعلم " . وهذا الذي تعجب منه ابن كثير ، قد بينه الطبري ، وأقام عليه كل مذهبه ، في كل ناسخ ومنسوخ ، وقد كرره مرات كثيرة في تفسيره ، وقد أعاده هنا عند ذكر الناسخ والمنسوخ فقال : إن الآية إذا اختلف في حكمها منسوخ هو أم غير منسوخ ، واختلف المختلفون في حكمها ، وكان لنفي النسخ عنها وإثبات أنها محكمة وجه صحيح ، لم يجز لأحد أن يقضي بأن حكمها منسوخ ، إلا بحجة يجب التسليم لها . وقد بين أبو جعفر مرارًا أن الحجة التي يجب التسليم لها هي : ظاهر القرآن ، والخبر الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . أما تأويل ابن عباس أو غيره من الأئمة ، فليس حجة في إثبات النسخ في آية ، لتأويلها على أنها محكمة وجه صحيح . فالعجب لابن كثير ، حين عجب من أبي جعفر في تأويله وبيانه . ولو أنصف لنقض حجة الطبري في مقالته من الناسخ والمنسوخ ، لا أن يحتج عليه ويتعجب منه ، لحجة هي منقوضة عند الطبري ، قد أفاض في نقضها مرارًا في كتابه هذا ، وفي غيرها من كتبه كما قال ، رحم الله أبا جعفر ، وغفر الله لابن كثير .